في حضرة أفعى الفراعنة والكورال القبطي وبلاغة المسلمين
الشيخ عبد النبي الرّنان... يا بساط اللوز يا وردي
المستقبل - الاحد 31 تشرين الأول 2010 - العدد 3817 - نوافذ - صفحة 12
هاني درويش
لتتعلم الاستماع إلى الشيخ عبد النبي الرنان يجب أن ترزق بطفل، فالمسافة بين فطرة الرضيع ومكون الموسيقى الشعبية القديمة في طبعتها الأصلية ضيّقة. عليك أن تتعلم كيف تسير حاملاً رضيعك في نهنهة طويلة طوال الليل حيث لا رفيق إلا صوت الشيخ ببطانته وإيقاعهم البطيء، فتنتظم خطوة الرواح والمجيء مع الدقة الطويلة على ظهره، على أن يصاحب الترنح الأفقي المتخيل لصفوف الذاكرين التفافك في نصف دائرة أثناء المشي والدق، هكذا تعيد إنتاج مشهد حضرة الشيخ في نسخة شخصية أكثر بساطة. أما عن النتائج فحدث ولا حرج، نوم عميق وطفل ذو أذن موسيقية قادرة في المستقبل على دوزنة عود من اللمسة الأولى. جربوها ولن تخسروا.
لكن بعيدا عن هذه التدريبات الأسرية الصدفوية، والتي نتجت عن توليف طويل من أحوال الاستماع للشيخ المبهر، تعود أول علاقتي به إلى مشهد ذهول أصابني منتصف التسعينات حين التقيته أول مرة. كان مركز شباب السيدة زينب في الشارع الواصل بين المقام وشارع طولون (إلى جوار محل الجحش الشهير) قد جرى تقسيمه إلى حضرات تصوف متفاوتة الهوى. ففي القلب وأمام الآلاف حضر التهامي بضجيج محبيه وأذرعتهم المشدوهة بمسجلات الصوت، بينما في أقصى ركن بالموقع كانت الحضرة الرفاعية هادئة، لا تحتاج ضجيجا وقد أنتظم صفان بعدد واحد ميكرفون ذي أزيز يتناسب مع الرقصة الأفعوانية للذكيرة. في المنتصف وقوفاً أمتد الجسد الأسمر للشيخ النحيف(وقتها) وقد نظم الإيقاع البسيط للأكفاف عبر آلة نفخ نحاسية، هي تخليق خاص يجمع بين الفلوت والناي تسمي الصفارة. وفيما تصدر الحناجر ذلك الفحيح الرتيب المنتظم مع خروج أنفاس المنشدين المتمايلين كأفعى الكوبرا، يخرج الهواء ملسوعاً من حفيف ملامسة الأذرع الملتوية بجانب بطانة الجلابيب. المشهد بمجمله يفجر فيك خيالاً لكهنة من الفراعنة يتمون طقوس تكفين مومياء. الإيقاع حاضر فقط عبر «رق» بسيط فيصبح المكون الصوتي هو صوت البطانة ونحاسية النفخ والإيقاعية المزكرشة للرق. ينتظم كل هذا مع استهلال شعري طويل ومبسط من الشعر الصوفي، يخرج من حنجرة هي أقرب إلى صوت آلة الساكسفون. من خلفه زفير ممزوج بحفيف الراقصين. التصاعد بطيء للغاية ويشبه منحنى أدائياً لحافة هضبة تنتهي بجبل، أي الصعود البطيء للغاية حتى ذروة موسيقية مدوخة تنتهي بسقوط مدو إلى السرعة البطيئة الابتدائية. المسافة الوسطى من الأداء والتي يصل مستوى التفاف جسد الذاكرين فيها إلى ما يشبه رقصة دائرية متطوحة بالأيدي على نقطة ارتكاز وهمية، المسافة الوسطى التي يصل فيها التوازن بين طبقة صوت الشيخ وعلو صوت البطانة إلى درجة مدهشة هي اللحظة المناسبة لتأمل وجوه الحاضرين أمثالنا. إلى جواري تتلون وجوه الأصدقاء كأنهم عبروا برزخاً من الألم إلى الراحة، ثم تأتي النهاية الانتحارية كالسقوط من ارتفاع جبل كاستسلام غير مشروط للدخول تحت تأثير البنج.
يقول مصدر غير معلوم أردف ملف ملاحظات على الملفات الصوتية للشيخ بموقع سماعي(مكتبة الرائع سامح الأسواني): «لا بد من الإشارة إلى أمر في التسجيل المرفوع هنا، ففي خلفية إنشاد الشيخ الرنان يتردد صوت أشبه بالفحيح، وهو صوت يخرج من حلوق (الذكيرة) ويتسارع كلما تسارع إيقاع الذكر، كما سنسمع من حين لآخر لفظة (هو) هي اختصار في الأساس لـ(هو الله) ثم أصبحت للدلالة على الله عز وجل، وذلك امر وارد في أدبيات الصوفية (واحسب أيضا انه وارد في اللغة). ويستدل الصوفية
بقوله تعالى:» الله لا إله إلا هو... « لكن الأهم هنا هو الوظيفة التي تستخدم فيها لفظة (هو).
المعتاد ان يكون لكل صف من المذكرين قائد، يضمن التناغم والتناسق في الحركة، وليس للذاكرين أداء واحد بل ثمة حركات متعددة ، يطول شرحها الآن، وعندما يود القائد تبديل الحركة يصيح بـ(هو) لينبه من معه بالصف، حتى لا يختل النظام، اما صوت الفحيح فله وظيفة أخرى غير بث الحماسة في النفوس، هو تنظيم سرعة الحركة نَفَسها أي انه يمثل إيقاع للذكيرة يرشدهم إلى التناغم، كما انه يمكن ان يكون تنبيها للمنشد كي يزيد من سرعة إنشاده. فالمنشد ليس له مطلق الحرية في الإيقاع. هو جاء بالأساس من اجل الذكر والذكيرة وبالتالي اذا كان من حقه ان تكون بداياته بطيئة فليس من حقه ان يظل هكذا طوال الوقت، فاذا شعر الذاكر ان حالته الوجدانية تستدعي الإسراع الآن فعليه ان يشير بذلك إلى المنشد عبر الإسراع من فحيحه، وليس على المنشد سوى الاستجابة. ويظل الحال في تصاعد إلى ان يصل الذكر إلى ذروته من السرعة، وهنا يحدث احد الأمرين: اما ان ينهي المنشد وصلته بلازمة معتادة في غالب الأحوال مثل (يا واحد وحد الواحد) وهذا معناه ان على الذاكرين ان يكفوا ليأتي غيرهم او ان المنشد انهى ليلته، اما الأمر الثاني فهو ان يصفق قائد الصف بطريقة وإيقاع معينين ليعود الإيقاع إلى بدايته البطيئة حتى يلتقط الذاكرون أنفاسهم.
تحيلك التركيبات الحلقية المديدة لأصوات البطانة فورا إلى أصوات الجوقة الكورالية الكنسية القبطية، فهم يتسلمون تركيباً من حروف المد التي ينتهي بها الشطر الشعري للشيخ ليطاولون به عنان السماء، وكأنهم في غدوهم وترحالهم الصوتي يؤسسون لوقفة أو عتبة علوية يصلح التأسيس من أسفلها لبيت شعري بفكرة جديدة. وهم في هذا التكنيك سبقوا بقرون تكنيك «الهامينج» الشهير لموسيقى البلوز، وتحديدا البلوز الأزرق المحتفي بألم جامعي القطن في الولايات الجنوبية لأميركا القرن الثامن عشر. لكن على العكس من تيمة الألم الجماعي المقرونة بمازوخية، أو ربما بما يوازيها، يمثل احتفاء الشيخ في أبياته بالتوحد مع الخالق، والتأصيل (شعريا) لمحبة فطرية تجمع الفرد(بمعناه السيسيولوجي) بربه، لا وساطة ولا كهانة فيها.
يا دنيا يا هلس كوتيني ورا قدام
غزالة بدلال رسمه الجسم على الجنيه
كوني يا اهل البيت
نقول كلام من اللسنا
في مدح النبي و الله درسنا
يا دنيا يا هلس بلسان حلو كالمينا
أو أن يقول في موضع آخر للتندر على الحال:
تاجر اللي نزل السوق يبي يشترى غالي
ما لقى الجواهر رخيصة اما الصدف غالي
ماجعد الجوهارجي على التل
وقال اتبهدل الغالي
انا ابكي على الناس
ولا ابكي على حالي
ما كان القلب عمران
صبح خالي«
الشيخ عبد النبي الرنان أبن مركز إسنا والبالغ من العمر 71 عاما يعد مدرسة خاصة واستثنائية في الإنشاد المصري، لما لا وهو دون إدعاء قد تخلصت حضرته من الزخرفة الموسيقية الشهيرة كما نراها في مدارس الإنشاد التقليدية كما لدى ياسين التهامي. كما يعد أكثر بساطة في مكونه من عبقري الإنشاد الشيخ أحمد التوني، وأكثر تعقيدا من الشيخ أحمد أبرين، وقد ظهر مؤخرا ولمرة أخيرة في مسرح الجنينة خلال برنامج شهر رمضان الماضي، وتعود معرفة الكثيرين به إلى المجهود الاستثنائي للباحث سامح الأسواني في تحويل مادة سماعه من الشرائط إلى المادة الديجيتال. كذا إلى المطرب المستقل البديع محمد بشير الذي يتضمن مكونه الفني بعضاً من إبداعات الشيخ.
إن كنتم تبحثون فعلياً عن خلاصة نهائية لامتزاج مصر الفرعونية بمصر القبطية بمصر العربية فمكون الشيخ الرنان أكبر دليل لمفهوم البوتقة الثقافية كما يدّعي البعض، وهو في ذلك ودون إدعاء أحد دلائل الهوية المصرية التي تمشي على قدمين دون حاجة لأختام المؤسسات الثقافية أو الدولة... ويكفيه من فطن إلى ذلك من جمهوره الغفير.
عبد النبي الرنان في حب المصطفى الجزء الاول
Dim lights
عبد النبي الرنان في حب المصطفى الجزء الثاني
Dim lights
عبد النبي الرنان في حب المصطفى الجزء الثالث
Dim lights
عبد النبي الرنان في حب المصطفى الجزء الرابع
الرنان من هيما الاسناوى
Dim lights










